الشيخ أحمد بن علي البوني
404
شمس المعارف الكبرى
حال التدبير لم يكن مختلف فيه قولان ولا أكثر لأن تدبيرهم واحد بوصل البقية الشاملة ، ومنهم من بسط القول ، ومنهم من عمه ، ومنهم من رمزه ، ومنهم من خلط في كلامه ، ونحن نبين إشارة القوم ، ونضم كل واحد إلى صاحبه حتى يقع الفهم إلى كل ذي لب ، وقالوا : إن حجرهم فرد كما أن اللّه فرد واحد ، ويدخله التكسير من الفهم ، ولما أرادوا تطهيره قسموه أجزاء ، وها أنا أذكرها فكثرت الأجزاء ، ثم استكمل جزأ منها بأشياء كثيرة ، واتسعت الأجزاء حينئذ نظروه جزأ منه أولا فقالوا ذلك ، ثم ذكروا أن الجزء ما لم يبيض رقيق على وجهه غبرة كأنها دهنة فسموه ماء المطر وماء الكلب ، لأن الحكماء سموا ما سال من حجرهم بحرا ونهرا وعينا وماء السحاب ومطرا ولبنا ودهنا وخلا وبولا ، والكل سيال في العالم ، وكل مركب . ثم سدوا النار فقطر ماء أبيض ثقيل براق له تلألؤ يخطف الأبصار إذا وضع في الماء خيل لك أنه يشق الزجاج لقوة نوره ، وإن حرك يلمع كلمعان ماء البحر والظلام فسموا هذا بالزيبق العربي وهو بارد رطب ، ثم سدوا النار فقطر دهنا غليظا إلى السواد وهو الزيبق الشرقي حار يابس ، والصبغ في الطبيعة النارية ، ولا ينحل إلا ماء الزيبق العربي ، فإذا انحلت صارت روحانية صافية صباغة لغيرها ، وفي الأرض التي لها شربان : شرب للتبيض ، وشرب للتحمر والأرض والهواء والنار ، وضده الثلاثة ينحل في ماء الزيبق حتى يصير بخارا فرفوريا بإشعاعه يخطف الأبصار ، ويدور دوران القمر إذا زالت منه رطوبة الزيبق بالنار اللطيفة ، وهي الحكمة التي تراد منه أن يصير ماء واحدا لا يقدر يفصل بعضه من بعض كما قالت مارية : إذا رأيت في كتاب تشميع أو تهيئة أو تصدية أو هدم أو ضرب أو تحليل أو تصعيد أو تقطير ، فإنما هو شيء واحد ، وقد يقع في الماء الخالد المقيم ، فالصانع الزيبق الشرقي وهو النفس ، فالنفس تصبغ الروح والروح لا يصبغ الجسد وهو بعيد الصبغ حتى يرى دهنا لا يتغير ، لأن الأرواح الصاعدة إذا رجعت لأجسادها الأرضية بعد مفارقتها لها يصيران شيئا واحدا ، ويميل كل واحد منهما إلى شكله ، فإذا اجتمعوا فرجعوا إلى بعض وسموا الثفل بكل أرض ولكل جسد ، وربما سموا الزيبق بالماء الأول وهو تدبير الأرض خاصة ، تؤخذ أرضهم فيحرق بالنار وهو الصبغ المذكور ، فإذا خافوا أن تأكلها النار سقوا بالماء مرة بعد أخرى حتى يبيض ويتصلب ، فيقولوا خلط الزيبق بالرماد . وفي كبريت القوم ثلاث قوى : قوة مولدة وقوة مغذية وقوة هاضمة . والنيران 7 : نار تكليس الجسد ونار عقد الماء وهو الزيبق ، ونار عنصرية التي توقد في البيوت ، ونار الطبيعة ، ونار العقد . وقال ذو النون : النيران لها 7 رتب تتأجج وتلتهب ، وثلاثة فاترة لتمام العشرة كما رتب وقيل : هي القوة الطبيعية التي في الكبريت ، فإن لها في ذلك ثلاث قوى : مولدة ومغذية وهاضمة ، فالمولدة إنما تولد النطفة في البطن إلى أن تولد وكذلك المولود الأحمر يخرج في أول الأمر كالطفل لا يقوى على صلابة النار ، كما لا يقوى الطفل على الغليظ من الأغذية ، إنما يتغذى لبنا أولا بالتدريج إلى أن يأكل غذاه ، وكذلك الميزان يلطف أولا ، ثم يشد قليلا حتى يصير لها طبعا ، والقوة المربية تدبره وتزيد في جسمه إلى أن يبلغ أشده ويأخذ في الإنحطاط والنقص ، وكذلك هذا المولود الذي في المركب الذي في النفس إذا